تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في السودان وآفاق الحل بين تدهور قيمة العملة، واضطراب السياسات الاقتصادية، والتجاذبات الإقليمية
يواجه السودان أزمة اقتصادية واجتماعية مركبة، لا يمكن تفسيرها بمجرد تراجع قيمة الجنيه السوداني أو ارتفاع أسعار السلع
والخدمات، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها أزمة متداخلة الأبعاد، تشمل الحرب وتراجع الإنتاج، واضطراب مؤسسات الدولة، وضعف الإيرادات العامة، وتراجع الثقة في النظام المصرفي، واختلال السياسات النقدية والمالية، إلى جانب تأثيرات البيئة الإقليمية والدولية.وتزداد خطورة هذه الأزمة عندما تتحول التقلبات الاقتصادية إلى حالة مستمرة من عدم اليقين، بحيث يعجز المواطن عن التخطيط لنفقاته، ويتردد المستثمر في توظيف أمواله، وتجد المؤسسات التجارية والإنتاجية صعوبة في تحديد تكاليفها وأسعار منتجاتها. وفي مثل هذه الظروف، لا يعود تدهور العملة مجرد مؤشر اقتصادي، بل يصبح عاملاً مؤثراً في الاستقرار الاجتماعي، وفرص العمل، والأمن الغذائي، ومستقبل التنمية في البلاد.
ومن هنا تبرز أسئلة جوهرية: ما الأسباب الحقيقية لاستمرار تدهور قيمة العملة المحلية؟ وكيف انعكست الأزمة على حياة المواطنين وقطاعات الإنتاج؟ وما الدور الذي تلعبه التحالفات والتجاذبات الإقليمية في تعقيد الأزمة أو فتح مسارات لمعالجتها؟ والأهم، ما السياسات العملية التي يمكن أن تساعد السودان على الانتقال من إدارة الأزمة إلى التعافي الاقتصادي المستدام؟
أولاً: تشخيص الأزمة الاقتصادية في السودان
لا تنفصل الأزمة الاقتصادية السودانية عن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، لكنها تتجاوز آثار الحرب المباشرة إلى اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات، من بينها ضعف تنويع الاقتصاد، والاعتماد على صادرات محدودة، واتساع النشاط غير الرسمي، وضعف القدرة على تعبئة الموارد العامة.
ووفقاً لتقرير البنك الدولي عن السودان لعام 2025، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 29.4% في عام 2023، وبنحو 14% في عام 2024. وتشير تقديرات البنك إلى أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً محدوداً في 2025، إلا أن هذا التحسن لا يعني انتهاء الأزمة، خصوصاً مع استمرار هشاشة المؤسسات والضغوط التضخمية وتدهور سبل العيش.
يمكن تلخيص أبرز جذور الأزمة في خمسة عوامل مترابطة:
الحرب وتعطيل الإنتاج: تضررت منشآت صناعية وتجارية، وتعطلت سلاسل الإمداد، وتراجعت قدرة قطاعات الزراعة والخدمات على العمل بصورة منتظمة.
ضعف الإيرادات العامة: أدى انكماش النشاط الاقتصادي وتراجع الإيرادات الحكومية إلى تضييق قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية.
اختلال السياسات المالية والنقدية: يؤدي تمويل العجز بزيادة عرض النقود، عندما لا يقابله نمو في الإنتاج والطلب الحقيقي على العملة، إلى تغذية الضغوط التضخمية وإضعاف الثقة في العملة المحلية.
نقص النقد الأجنبي: يؤدي تراجع الصادرات وتعطل التجارة وصعوبة تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية إلى زيادة الضغط على سوق العملات الأجنبية.
ضعف الثقة والاستقرار المؤسسي: عندما تتغير القواعد الاقتصادية بصورة غير متوقعة، أو تتعدد مراكز اتخاذ القرار، تتراجع شهية الاستثمار طويل الأجل وتتجه الأموال نحو الأصول التي يُعتقد أنها أكثر قدرة على حفظ القيمة.
وتكمن خطورة هذه العوامل في أن كل واحد منها يعزز الآخر؛ فتراجع الإنتاج يقلل الصادرات، ونقص الصادرات يضغط على سعر الصرف، وارتفاع سعر الصرف يزيد تكاليف الإنتاج، ثم يؤدي التضخم إلى تراجع الاستهلاك والاستثمار.
ثانياً: تدهور الجنيه السوداني وآثاره في الاقتصاد
إن تراجع قيمة العملة المحلية ليس مجرد تغير في سعر الدولار، بل هو انعكاس لاختلال العلاقة بين حجم السلع والخدمات المنتجة، وحجم الإنفاق والسيولة، والموارد المتاحة من العملات الأجنبية، ومدى الثقة في المؤسسات الاقتصادية.
كيف تنتقل أزمة العملة إلى حياة المواطنين؟
تعمل هذه الآلية عبر سلسلة من التأثيرات المتتابعة:
ارتفاع تكلفة الواردات: تصبح السلع المستوردة، مثل الأدوية والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج، أكثر تكلفة عند تراجع قيمة الجنيه.
زيادة تكاليف الإنتاج المحلي: حتى المنتج الذي يُصنع داخل السودان قد يعتمد على مواد خام أو قطع غيار أو وقود مستورد.
تآكل الدخول الحقيقية: إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من الأجور، تراجعت القدرة الشرائية للأسر، حتى عندما لم يتغير دخلها الاسمي.
اتساع الفجوة بين الأسعار والدخول: تواجه الأسر صعوبة أكبر في توفير الغذاء والعلاج والتعليم والسكن.
زيادة عدم اليقين: يصعب على التاجر أو المستثمر وضع ميزانية مستقرة عندما تتغير تكلفة إحلال المخزون وسعر الصرف بصورة متكررة.
ويُظهر تقرير منظمة الأمم المتحدة الإنمائية وشركائها الصادر في يونيو 2025 أن الأزمة المالية وأزمة الطاقة وانعدام الأمن الغذائي تفاعلت معاً في السودان، بحيث أدى تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة مدخلات الزراعة إلى تفاقم الضغوط على إنتاج الغذاء والقدرة على الحصول عليه.
لماذا لا يكفي تثبيت سعر الصرف وحده؟
قد تتدخل السلطات لتثبيت السعر الرسمي، لكن نجاح هذه الخطوة يتوقف على توافر العملات الأجنبية، واتساق السياسات المالية والنقدية، ووجود إنتاج وصادرات قادرين على دعم السوق.
فإذا حُدد سعر رسمي لا يتوافق مع ظروف العرض والطلب، من دون توفير النقد الأجنبي اللازم، فقد تتسع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وتزداد صعوبة حصول المستوردين والمنتجين على العملة عبر القنوات الرسمية.
وعليه، فإن استقرار العملة نتيجة لاستعادة التوازن الاقتصادي والثقة، وليس مجرد قرار إداري بتحديد سعر معين.
ثالثاً: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة
تتجاوز آثار الأزمة السودانية المؤشرات الاقتصادية إلى إعادة تشكيل حياة المجتمع، والعلاقات بين فئاته، وفرص الأجيال الجديدة في التعليم والعمل والاستقرار.
1. التداعيات الاقتصادية
أ. تراجع القدرة الإنتاجية
أدت الحرب إلى تعطيل منشآت إنتاجية، وإضعاف سلاسل التوريد، ونزوح العمال وأصحاب الأعمال، وتراجع القدرة على الحصول على التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج. ويؤدي ذلك إلى انخفاض المعروض من السلع المحلية، وزيادة الاعتماد على الواردات في بعض القطاعات، وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال.
ب. تراجع الاستثمار
في ظل عدم اليقين بشأن الأمن وسعر الصرف والضرائب وإجراءات الاستيراد، يميل المستثمر إلى تجميد التوسع أو تقليص النشاط أو توجيه أمواله نحو أصول أقل تعرضاً للمخاطر. ويترتب على ذلك تباطؤ إنشاء المشروعات الجديدة وتراجع فرص العمل.
ج. اضطراب التجارة والأسواق
يؤدي تعطل الطرق وتفاوت الأوضاع الأمنية بين المناطق وصعوبات النقل والتحويلات المالية إلى زيادة تكلفة وصول السلع من مناطق الإنتاج إلى مناطق الاستهلاك. كما أن تجزؤ الأسواق قد يخلق فروقاً سعرية كبيرة بين الولايات، حتى بالنسبة إلى السلع نفسها.
د. تراجع الإيرادات العامة
كلما انكمش النشاط الاقتصادي وتراجعت قدرة المؤسسات على العمل، ضعفت القاعدة الضريبية والإيرادات العامة، وأصبحت الدولة أقل قدرة على تمويل التعليم والصحة والمياه والكهرباء وإعادة الإعمار.
2. التداعيات الاجتماعية
الفقر وانعدام الأمن الغذائي
يؤدي ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع الدخول إلى تقليص الوجبات أو خفض جودتها، ويجعل الأسر الفقيرة أكثر عرضة لسوء التغذية. وأفادت خطة الأمم المتحدة للاحتياجات الإنسانية في السودان لعام 2026 بأن 33.7 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في مؤشر على حجم الاحتياجات المتراكمة.💜
النزوح والتفكك الاجتماعي
يؤدي النزوح إلى فقدان المنازل ومصادر الدخل وشبكات الدعم الاجتماعي، كما يضغط على المجتمعات المستضيفة وخدماتها العامة، ويزيد المنافسة على السكن والعمل والموارد المحدودة.
تراجع التعليم والصحة
عندما تعجز الأسرة عن دفع تكاليف النقل والرسوم والاحتياجات المدرسية، أو عن الحصول على العلاج والدواء، تصبح التنمية البشرية نفسها مهددة. وقد يؤدي الانقطاع الطويل عن التعليم إلى آثار تمتد لسنوات بعد توقف الحرب.
اتساع الاقتصاد غير الرسمي
قد يلجأ الأفراد إلى أنشطة يومية غير مستقرة لتأمين الحد الأدنى من الدخل، بينما تعمل بعض المشروعات خارج الأطر التنظيمية نتيجة تعطل المؤسسات أو ارتفاع تكاليف الامتثال. وهذا يضعف الحماية الاجتماعية والقدرة على تحصيل الإيرادات وتنظيم السوق.
3. تآكل الطبقة الوسطى
من أخطر التداعيات طويلة الأجل تراجع قدرة الموظفين والمعلمين والمهنيين وأصحاب المشروعات الصغيرة على المحافظة على مستوى معيشي مستقر.
فالأسرة التي كانت تعتمد على راتب ثابت لتغطية احتياجاتها الأساسية قد تجد نفسها مضطرة إلى استنزاف مدخراتها، أو بيع أصولها، أو الاستدانة، أو الاعتماد على تحويلات الأقارب.
وهكذا، لا يقتصر الضرر على الفئات الأشد فقراً، بل يمتد إلى شرائح كانت تمثل قاعدة مهمة للاستهلاك المحلي والاستقرار الاجتماعي وتطوير الأعمال.
رابعاً: أثر التجاذبات والتحالفات الإقليمية في الأزمة السودانية
لا يمكن فهم المسار الاقتصادي للسودان بمعزل عن محيطه الإقليمي، نظراً إلى ارتباط البلاد بالتجارة العابرة للحدود، وصادرات الذهب والماشية والمحاصيل، وممرات البحر الأحمر، والتحويلات المالية، والمصالح الأمنية والسياسية للدول المجاورة والقوى الإقليمية.
وقد تناولت دراسة لمعهد تشاتام هاوس، نُشرت في مارس 2025 وحُدّثت في مارس 2026، العلاقة بين تجارة الذهب وشبكات الاقتصاد المرتبط بالحرب في السودان، موضحةً كيف تتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية عبر الحدود، ولماذا يصعب تحقيق تسوية مستدامة من دون معالجة الأبعاد الإقليمية للصراع.
كيف تؤثر البيئة الإقليمية في الاقتصاد السوداني؟
المجال | التأثير المحتمل في السودان | المعالجة الممكنة |
|---|
التنافس السياسي والأمني | إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية | تنسيق إقليمي ودولي يدعم وقف القتال والتفاوض |
تجارة الذهب | تسرب العائدات خارج القنوات الرسمية واحتمال تمويل شبكات الصراع | تتبع الصادرات وتعزيز الشفافية ومكافحة التهريب |
الحدود والتجارة | زيادة تكاليف النقل والتأمين وتعطل تدفق السلع | اتفاقات عملية لتسهيل التجارة وحماية الممرات |
العلاقات المالية | صعوبة التحويلات والتمويل والاستثمار | تطوير قنوات مصرفية نظامية ومتوافقة مع المتطلبات الدولية |
المساعدات الإنسانية | تفاوت وصول المساعدات وتأثرها بالتمويل والأمن | تنسيق إنساني إقليمي وتمويل أكثر انتظاماً |
من الضروري هنا التمييز بين الوقائع الموثقة والتحليلات المتعلقة بدوافع الأطراف. فالدول الإقليمية ليست كتلة واحدة، ومصالحها ليست متطابقة في كل الملفات. كما أن الأثر الاقتصادي لأي علاقة خارجية يتوقف على طبيعة السياسات المتبعة، ومدى الشفافية، وشروط التمويل والتجارة، وقدرة المؤسسات السودانية على حماية المصلحة العامة.
هل يمكن أن تتحول العلاقات الإقليمية إلى فرصة للتعافي؟
نعم، إذا انتقلت من التنافس على النفوذ والموارد إلى التعاون على أساس المصالح الاقتصادية المشتركة. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال:
ضمان انسياب التجارة المشروعة مع الدول المجاورة.
توجيه الاستثمار إلى الزراعة والصناعات الغذائية والطاقة والنقل.
تنظيم تجارة الذهب والموارد الطبيعية بما يضمن تسجيل العائدات العامة.
دعم تسوية سياسية تقلل التدخلات التي تطيل الحرب.
تسهيل التحويلات المالية وتمويل المشروعات الإنتاجية وفق قواعد شفافة.
ربط أي برامج لإعادة الإعمار بمعايير واضحة للمساءلة والحوكمة.
وتشير دراسة تشاتام هاوس إلى أن الاقتصار على إجراءات تستهدف شركة أو فرداً واحداً لا يكفي لمعالجة شبكات تجارة الموارد المرتبطة بالحرب؛ إذ يتطلب الأمر تعاوناً يتناول سلسلة التجارة العابرة للحدود بكاملها.
خامساً: التخبط في السياسات الاقتصادية وأزمة الثقة
إن تعدد المشكلات الاقتصادية لا يعني بالضرورة أن الحلول غير متاحة، لكنه يجعل اتساق السياسات واستمراريتها شرطاً أساسياً لنجاح أي معالجة.
وتظهر المشكلة عندما تتخذ قرارات نقدية ومالية وتجارية بمعزل بعضها عن بعض؛ فقد تسعى سياسة إلى خفض التضخم، بينما تؤدي سياسة أخرى إلى زيادة السيولة من دون زيادة الإنتاج، أو يجري تشديد القيود على الاستيراد من دون توفير مدخلات الإنتاج الضرورية.
وتتمثل أهم مظاهر عدم الاتساق التي ينبغي معالجتها في الآتي:
غياب التنسيق بين السياسة المالية والنقدية: يجب ألا تعمل الموازنة العامة والسياسة النقدية في اتجاهين متعارضين.
ضعف الشفافية في إدارة الموارد: يؤدي غياب المعلومات المنتظمة عن الإيرادات والإنفاق والصادرات إلى تراجع الثقة وصعوبة الرقابة.
عدم استقرار القواعد التنظيمية: تؤدي التغييرات المتكررة وغير المتوقعة في الرسوم والضرائب وإجراءات التجارة إلى زيادة مخاطر الاستثمار.
ضعف المعلومات الاقتصادية: لا يمكن إدارة التضخم وسعر الصرف والأسواق بكفاءة من دون بيانات موثوقة وحديثة.
تراجع القدرة المؤسسية على التنفيذ: حتى السياسات المصممة جيداً تفقد أثرها إذا غابت المؤسسات القادرة على تطبيقها ومتابعتها.
والدرس الأساسي هنا أن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من قرارات منفردة؛ فهي تحتاج إلى إطار اقتصادي متكامل، وأهداف قابلة للقياس، وتوزيع واضح للمسؤوليات، ومراجعة دورية للنتائج.
سادساً: آفاق الحل — من إدارة الأزمة إلى التعافي
إن الخروج من الأزمة لا يتحقق بإجراء واحد، ولا بمجرد الحصول على مساعدات خارجية، ولا عبر ضخ العملات الأجنبية بصورة مؤقتة. المطلوب هو مسار متدرج يجمع بين السلام، والاستقرار النقدي، واستعادة الإنتاج، والإصلاح المؤسسي، والحماية الاجتماعية.
خارطة طريق مقترحة للتعافي الاقتصادي
المرحلة الأولى: وقف النزيف الاقتصادي
الأولوية العاجلة
دعم وقف القتال وحماية المدنيين والمرافق الاقتصادية.
تأمين وصول المساعدات والسلع الأساسية.
إعطاء الأولوية للغذاء والدواء والمياه والكهرباء.
حماية الأسواق والطرق التجارية حيثما أمكن.
المرحلة الثانية: استعادة الانضباط المالي والنقدي
على المدى القصير
تحسين إدارة الإنفاق العام وترتيب أولوياته.
الحد من التمويل التضخمي للعجز.
نشر بيانات دورية عن الإيرادات والإنفاق والسيولة وسوق الصرف.
تحسين وصول الأنشطة التجارية إلى القنوات المصرفية وخدمات الدفع.
المرحلة الثالثة: إعادة تشغيل الإنتاج
على المدى القصير والمتوسط
دعم المزارعين بالبذور والأسمدة والوقود والتمويل.
إعادة تأهيل الأسواق ومراكز التخزين والنقل.
توفير التمويل العامل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
تشجيع الصناعات التي تستفيد من المواد الخام المحلية وتقلل الاعتماد على الواردات.
المرحلة الرابعة: إصلاح المؤسسات وبناء الثقة
على المدى المتوسط
توحيد الإجراءات الاقتصادية والمالية قدر الإمكان.
تعزيز استقلالية القرارات الفنية للمؤسسات النقدية.
تحسين نظم المشتريات العامة والرقابة ومكافحة الفساد.
تطوير الإحصاءات الوطنية وأنظمة الدفع والتسوية المالية.
المرحلة الخامسة: التعافي المستدام
على المدى المتوسط والطويل
تنويع الصادرات وزيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية والمعدنية.
إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق العامة.
تطوير التعليم والتدريب المهني وربطهما بسوق العمل.
استعادة الوصول إلى التمويل التنموي الميسر وإعادة هيكلة الديون عندما تسمح الظروف.
سابعاً: ما السياسات المطلوبة لمعالجة تدهور العملة؟
يمكن بناء برنامج عملي لاستقرار الجنيه السوداني حول ستة محاور مترابطة:
1. ضبط المالية العامة
يتطلب ذلك تحسين تحصيل الإيرادات المشروعة، وترشيد الإنفاق غير الضروري، وتوجيه الموارد إلى الخدمات الأساسية والإنتاج، والحد من الاعتماد على التمويل النقدي للعجز.
2. إصلاح سوق الصرف
ينبغي العمل على زيادة الشفافية في سوق النقد الأجنبي، وتقليل التشوهات التي تشجع المضاربة والتهريب، وتوسيع القنوات الرسمية لجذب حصائل الصادرات والتحويلات. ويجب أن يتناسب أي إصلاح لسعر الصرف مع الظروف الاجتماعية وقدرة السوق على توفير السلع الأساسية.
3. زيادة حصائل الصادرات
تمثل الزراعة والثروة الحيوانية والذهب والصمغ العربي والمنتجات الزراعية المصنعة فرصاً مهمة. لكن الأثر الإيجابي لهذه الموارد يتوقف على تحسين الإنتاج، وتنظيم التجارة، والحد من التهريب، وضمان وصول العائدات إلى الاقتصاد الرسمي.
4. استعادة الثقة في النظام المصرفي
يحتاج المواطن والتاجر والمغترب إلى قنوات آمنة وموثوقة للإيداع والتحويل والدفع. ويتطلب ذلك استعادة الخدمات المصرفية، وتحسين السيولة وإمكانية الوصول إلى الأموال، وتطوير نظم الدفع الإلكتروني مع توفير بدائل مناسبة لمن لا يستطيعون استخدامها.
5. حماية الفئات المتضررة
قد تؤدي بعض إجراءات الإصلاح إلى رفع تكاليف المعيشة في الأجل القصير. لذلك ينبغي أن تقترن بإجراءات حماية موجهة، مثل التحويلات النقدية للفئات الأشد احتياجاً، ودعم الوصول إلى الغذاء والدواء، ومساندة المشروعات الصغيرة.
6. تعزيز البيانات والمساءلة
لا يمكن تقييم نجاح السياسات من خلال سعر الدولار وحده. بل يجب مراقبة التضخم، وتوافر السلع، والإنتاج الزراعي والصناعي، وحجم الصادرات، وفرص العمل، والإيرادات العامة، ومدى انتظام الخدمات المصرفية.
ثامناً: دور المجتمع والقطاع الخاص في المعالجة
لا تقتصر مسؤولية التعافي على الحكومة أو المؤسسات المالية الدولية؛ فالقطاع الخاص والمجتمعات المحلية والمنظمات الإنسانية والمهنيون يمكن أن يسهموا في حماية ما تبقى من القدرات الإنتاجية.
القطاع الخاص: إعادة تشغيل المنشآت الممكنة، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، وتحسين إدارة المخزون والتكاليف.
المصارف والمؤسسات المالية: توفير خدمات دفع وتحويل أكثر موثوقية، وتطوير حلول تمويل تتناسب مع ظروف المشروعات الصغيرة.
المزارعون والمنتجون: التعاون في التخزين والتسويق والشراء الجماعي للمدخلات لتقليل التكاليف.
المنظمات الإنسانية: ربط المساعدات الغذائية ببرامج دعم سبل العيش كلما سمحت الظروف.
المهنيون والخبراء: تقديم دراسات واقعية للسياسات والبرامج، وتقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي بعيداً عن القرارات المرتجلة.
المغتربون والمستثمرون: توجيه جزء من التحويلات والمدخرات، طوعاً ووفق ضمانات مناسبة، نحو مشروعات إنتاجية قابلة للاستمرار.
تاسعاً: كيف نقيس نجاح خطة التعافي؟
حتى لا تبقى المعالجات مجرد شعارات، ينبغي وضع مؤشرات أداء واضحة، على أن تحدد الجهات المختصة خط الأساس المستند إلى أحدث البيانات المتاحة، ثم تضع أهدافاً واقعية ومواعيد مراجعة.
المجال | مؤشر المتابعة | الاتجاه المطلوب |
|---|
الاستقرار النقدي | معدل التضخم وتذبذب سعر الصرف | انخفاض التضخم والتقلبات |
الإنتاج | حجم الإنتاج الزراعي والصناعي | نمو تدريجي ومستدام |
التجارة الخارجية | حصائل الصادرات الرسمية | زيادة الحصائل وتقليل التسرب |
المالية العامة | نسبة الإيرادات إلى الإنفاق العام | تحسن الإيرادات وانضباط الإنفاق |
التشغيل | عدد الوظائف المستدامة المستحدثة | زيادة فرص العمل |
الحماية الاجتماعية | نسبة الأسر القادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية | تحسن القدرة الشرائية |
الخدمات المصرفية | انتظام الوصول إلى الودائع والتحويلات | تحسن إمكانية الوصول والموثوقية |
ويجب أن تراعي المؤشرات التفاوت بين الولايات؛ فنجاح برنامج في منطقة أكثر استقراراً لا يعني بالضرورة تحسن الأوضاع في المناطق التي تشهد قتالاً أو تعاني من انقطاع الطرق والخدمات.
عاشراً: السيناريوهات المحتملة للاقتصاد السوداني
يمكن تصور ثلاثة مسارات عامة، لا باعتبارها تنبؤات مؤكدة، بل بوصفها سيناريوهات تساعد على فهم نتائج القرارات المتخذة.
السيناريو الأول: استمرار الصراع والاختلالات
استمرار تراجع الإنتاج، وتذبذب العملة، وضعف الاستثمار، وارتفاع الاحتياجات الإنسانية. وقد يؤدي ذلك إلى ترسيخ اقتصاد مجزأ تختلف فيه الأسعار والفرص والخدمات بين المناطق.السيناريو الثاني: استقرار نسبي دون إصلاح شامل
قد تتحسن حركة التجارة والإنتاج في بعض المناطق، لكن آثار التضخم وضعف الإيرادات وغياب الثقة ستظل تحد من التعافي. وقد يكون النمو محدوداً وغير قادر على استعادة مستويات المعيشة بسرعة.السيناريو الثالث: تسوية سياسية وإصلاح اقتصادي متدرج
يتيح وقف الحرب استعادة الإنتاج وتوسيع التجارة وتحسين الخدمات، بينما تساعد السياسات النقدية والمالية المنضبطة والحوكمة الأفضل على تحويل التحسن الأمني إلى تعافٍ اقتصادي أوسع. لكن النتائج ستعتمد على التنفيذ والتمويل والظروف الإقليمية.وتؤكد التقديرات الاقتصادية المنشورة في عام 2026 أن التعافي المتوقع يظل هشاً، وأن استمرار الصراع وضعف المؤسسات واختلالات المالية العامة تمثل مخاطر رئيسية أمام استدامة النمو.
الأزمة السودانية تحتاج إلى مشروع وطني للتعافي
إن أزمة السودان ليست أزمة عملة فقط، ولا أزمة حرب فقط، ولا أزمة سياسات اقتصادية منفردة؛ إنها أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل الأمنية والمؤسسية والإنتاجية والمالية والاجتماعية والإقليمية.
ولذلك، فإن استعادة قيمة الجنيه السوداني لا تبدأ بفرض سعر صرف معين، بل ببناء اقتصاد قادر على الإنتاج والتصدير، ومؤسسات تتمتع بالشفافية والقدرة على تنفيذ السياسات، ونظام مالي موثوق، وبيئة سياسية وأمنية تتيح للمواطنين استعادة حياتهم وللمستثمرين اتخاذ قرارات طويلة الأجل.
كما أن العلاقات الإقليمية يمكن أن تكون جزءاً من المشكلة عندما تغذي التنافس على الموارد وتطيل أمد الحرب، لكنها تستطيع أن تصبح جزءاً من الحل إذا تحولت إلى شراكات تدعم السلام والتجارة المشروعة وإعادة الإعمار.
إن المدخل الأكثر واقعية للتعافي هو الجمع بين السلام والاستقرار الاقتصادي واستعادة الإنتاج وحماية المواطنين. فلا يمكن تحقيق استقرار نقدي مستدام في اقتصاد تتعطل فيه المصانع والمزارع والأسواق، ولا يمكن تحقيق سلام اجتماعي دائم في مجتمع تتآكل فيه الدخول وتضيق فيه فرص العمل وتتراجع فيه الخدمات الأساسية.
والتحدي الحقيقي أمام السودان هو الانتقال من إدارة الأزمات المتلاحقة إلى بناء منظومة اقتصادية ومؤسسية تجعل التعافي قابلاً للاستمرار، وتضمن أن تتحول الموارد الوطنية من مصادر للتنافس والصراع إلى أدوات للإنتاج والتنمية وتحسين حياة المواطنين.
مراجع أساسية